أنا مركبة طرف صناعي في رجلي الشمال الجزء الاخير

انجي ـ الخطيب

الصمت خيّم على المكان بعد ما اتكتفوا، وصوت الكلبشات في إيد جوزي كان أحلى سيمفونية سمعتها في حياتي، الضابط اللي كان مسؤول عن العملية قرب مني، ملامحه كانت جدة بس عينيه فيها نظرة احترام، شاور لرجالة الإسعاف اللي دخلوا يطمنوا على الضحايا اللي كانوا محبوسين في الحاويات، وشفت في وسطهم أطفال وستات عيونهم كانت مليانة رعب، قلبي اتقطع عليهم، بس كنت فخورة إني كنت سبب في نجاتهم.
​جوزي، اللي كان لسه من دقايق بيهددني بالسلا..ح، كان قاعد على الأرض في ركن، بيبصلي بنظرة مكسورة، ذل وهزيمة، حاول يفتح بقه ويقول كلمة، بس عسكري جنبه خبطه على كتفه عشان يسكت، مشيت ناحيته بخطواتي اللي بقت واثقة، الطرف الصناعي مكنش بيخونني المرة دي، وقفت قدامه وبصيت له من فوق لتحت، مكنش فاضل فيه أي أثر للراجل اللي اتجوزته، ملامحه كانت بتبين حقارته اللي كان مخبيها ورا “الحب” المزعوم.
​— “بصلي كويس يا فلان،” قلتها بصوت هادي بس كان أقوى من ألف صرخة، “أنت قولت إنك اتجوزتني عشان مصلحتك، وعشان فاكر إني مكسورة ومش هقدر أفتح بقي.. بس نسيت إن اللي اتولد بكسر في جسمه، ربنا بيعوضه بصلابة في قلبه.. أنت كنت فاكرني كارت، بس طلعت أنا اللي بقطع الورقة اللي أنت مكتوب فيها.”
​قاموا واخدينه هو وأمه -اللي وصلت قوة المداهمة ومعاهم دليل إدانتها هي كمان في تسهيل الأعمال دي- وركبوهم عربية الترحيلات، وقفت أتفرج عليهم وهما بيتحركوا، حسيت إن فيه حمل تقيل من على قلبي نزل، الضابط قرب مني وقالي: “شجاعتك يا مدام ريم هي اللي خلتنا نقدر نتحرك في الوقت المناسب، إحنا كنا بنراقبهم من فترة، بس كان ناقصنا دليل من جوه المصلحة.. إنتي اللي كملتِ الصورة.”
​روحت البيت، البيت اللي كان المفروض يبقى عش الزوجية، دخلته وأنا حاسة بسلام غريب، قلعت الطرف الصناعي وحطيته على السرير، قعدت على طرفه وبصيت لرجلي، ابتسمت لنفسي لأول مرة في حياتي من غير ما أحس بمرارة، مش مهم كان شكل رجلي إيه، المهم إن الخطوات اللي مشيتها النهاردة كانت أطول وأهم خطوات في عمري، نمت ليلة من غير كوابيس، ولأول مرة، صحيت تاني يوم وأنا عارفة إني ريم.. اللي مش محتاجة حد يجبر بخاطرها، لأنها جبرت خاطر نفسها بنفسها.
​فتحت شباك أوضتي، ودخل نور الشمس اللي كان واحشني، وبدأت صفحة جديدة، صفحة مفيش فيها “نقص”، مفيش فيها “مصلحة”، صفحة مليانة بالأمل وبس، عرفت إن اللي جاي أحلى، وإن اللي عدى، رغم ألمه، كان هو الدرس اللي علمني إني أقف على رجلي.. حتى لو كانت من حديد.
………
بعد أسابيع من المحاكمة اللي خلصت بإدانة “جوزي” وأمه بتهم تقيلة، بدأت حياتي تاخد شكل جديد خالص. رجعت شغلي، بس المرة دي دخلت المصلحة بمشية مختلفة، مش بس عشان الطرف الصناعي اتظبط، لأ.. عشان روحي اللي اتظبطت. زمايلي اللي كانوا بيشوفوني دايماً مطأطأة راسي، بقوا يشوفوا في عيني نظرة “الند” اللي مبيتهزش، ونظرة البنت اللي واجهت الذئاب وخرجت منهم منتصرة.
​في يوم، كنت خارجة من الشغل، لقيت ضابط العمليات اللي كان مسؤول عن المداهمة واقف مستنيني قدام البوابة، سلم عليا بتقدير وقال لي إن شهادتي كانت مفصلية في اعترافاتهم، وإن الدولة قررت تكرمي على شجاعتي ودوري في كشف الشبكة. ابتسمت له، ولأول مرة مقولتش “شكراً” وأنا حاسة إني ممتنة لحد إنه عبرني، قلتها وأنا حاسة إن ده حقي اللي أخدته بدراعي.
​بدأت أخصص وقت من يومي عشان أساعد البنات اللي عندهم ظروف زيي، كنت بروح مراكز التأهيل، مش عشان أحكيلهم قصص مأساوية، بس عشان أوريهم “الطرف الصناعي” اللي كان أكبر عقدة في حياتي، بقا هو وسام الشرف بتاعي. كنت بقولهم: “إحنا مش ناقصين، إحنا اللي فينا ميزة مش عند غيرنا.. إحنا اتعلمنا نقوم بعد كل وقعه، ونمشي تاني، ونكمل الطريق مهما كان تقيل.”
​ومع الوقت، بدأت ملامح “ريم” الجديدة تتشكل، لا بقيت ريم اللي بتستنى عريس يقبل بيها “شفقة”، ولا ريم اللي بتخاف من نظرات الناس. بقيت ريم اللي بتبص في المراية وتشوف بطلة، بطلة لقصة كان ممكن تنتهي بانكسار، بس هي قررت تكتب نهايتها بالدم والنار.
​في ليلة، وأنا قاعدة في بيتي الهادي، سمعت صوت خبط خفيف على الباب. فتحت، لقيت جارتي -الست الطيبة اللي كانت دايماً بتواسيني في محنتي- واقفة ومبتسمة وبتقولي إن فيه حد من مؤسسة حقوقية عايز يقابلني عشان أقدم محاضرات للبنات اللي بيعانوا من التنمر أو الإعاقة.
​وقفت في وسط الصالة، بصيت للطرف الصناعي اللي مرمي في ركن الأوضة، وضحكت بصوت عالي. مكنتش “ريم” اللي بتسمع إهانة حماتها وبتسكت، مكنتش “ريم” اللي بتخاف من تهديد جوزها.. كنت ريم اللي بدأت حياتها الحقيقية بعد ما كانت فاكرة إنها انتهت.
​قفلت الباب، ورجعت قعدت، مسكت أجندتي وكتبت في أول صفحة: “اليوم، أنا مش بس ماشية على رجلي.. أنا ماشية في طريقي اللي اخترته لنفسي، وبخطوات ثابتة ومحدش يقدر يوقفها، لأن اللي كسر حاجز الخوف جواه، مفيش حاجة في الدنيا تقدر تكسره تاني.”
​كانت دي بداية ريم الحقيقية، ريم اللي مفيش “نقص” يحدد قيمتها، ريم اللي اتولدت من جديد، والمرة دي.. اتولدت عشان تعيش وتعيش بقوة.
……
سنتين عدوا على الحكاية دي، سنتين كانوا كفيلين يغيروا ملامح حياتي تماماً. النهاردة، أنا واقفة في أكبر قاعة مؤتمرات في القاهرة، لابسة فستان بسيط وأنيق، “الطرف الصناعي” كان متفصل خصيصاً عشان يخليني أتحرك بخفة وثبات، لدرجة إن مفيش حد في القاعة كان يقدر يلاحظ إني مش بمشي على رجلي الطبيعية.
​وقفت على المسرح، الأضواء كانت مسلطة عليا، القاعة كانت مليانة بنات وستات، عيونهم كانت بتلمع بالأمل وهما بيسمعوني وأنا بحكي قصتي. مكنتش بحكي عشان أستعطف حد، كنت بحكي عشان أقولهم إن “الكسر” اللي بنشوفه في حياتنا هو مجرد بداية لتركيب عضم جديد، عضم من حديد لا بينكسر ولا بيتهز.
​في نهاية كلمتي، سكت شوية، وبصيت للجمهور، وشفت في الوشوش دي “ريم” القديمة.. البنت اللي كانت خايفة، البنت اللي كانت بتستخبى من نظرات الناس، ابتسمت لهم وقلت بصوت واثق:
— “أنا مش هنا عشان أقولكم إن الطريق كان مفروش ورد، أنا هنا عشان أقولكم إن الطريق كان غابة من الشوك، بس لما قررت أواجه خوفي، الشوك ده بقى هو اللي بيحميني من اللي يفكر يقرب مني بسوء. اوعوا تسمحوا لحد إنه يحدد قيمتكم، ولا يخليكم تحسوا إنكم ناقصين، النقص الوحيد هو نقص الضمير والأخلاق، غير كدة.. إحنا كوامل في عيون نفسنا.”
​نزلت من على المسرح وسط تصفيق حار، كان صوت التصفيق بيطمني إن الرسالة وصلت. ولما خرجت من القاعة، لقيت “ياسين”.. زميلي في المخابرات اللي كان الداعم الأول ليا في القض..ية، واللي مسبنيش من يومها. كان واقف ومبتسم، قرب مني ومسك إيدي، بص لي نظرة كلها احترام وتقدير، مش نظرة شفقة زي ما كنت بشوف زمان.
​قال لي: “كنتِ عظيمة النهاردة يا ريم.. فخور جداً باللي وصلتي له.”
​ضحكت من قلبي، ضحكة صافية مفيش فيها أي وجع، وبصيت له وقلت:
— “أنا وصلت له لأن كان لازم أعدي في الجحيم عشان ألاقي طريقي. والنهاردة، أنا مش بس ريم اللي بتشتغل في الجوازات، أنا ريم اللي بتعلم الناس إزاي يمشوا، حتى لو كانوا خايفين يقعوا.”
​ركبنا العربية، وبصيت من الشباك على شوارع القاهرة اللي شافت انكساري وشافت انتصاري، حسيت بهدوء غريب. قفلت عيوني لحظة، وتخيلت “ريم” بتاعة الصباحية، حبيت أقولها: “اطمني يا حبيبتي، كل اللي عشتيه كان تمن عشان تبقي الشخصية اللي أنا عليها دلوقتي.. إنتي كنتِ قوية أكتر ما كنتِ فاكرة.”
​فتحت عيني، وشغلت العربية، وبدأت أمشي في طريقي.. طريق الحرية، طريق الثقة، والطريق اللي أنا اللي بحدد خطواته.. وبس.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *